عبد الوهاب الشعراني
215
الطبقات الكبرى ( لواقح الأنوار القدسية في مناقب العلماء والصوفية )
المراد برؤيته كذلك يقظة القلب لا يقظة الحواس الجسمانية لأن من بالغ في كمال الاستعداد والتقرب صار محبوبا للحق وإذا أحبه كان نومه من كثرة اليقظة القلبية كحال اليقظة التي لغيره وحينئذ لا يرى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلا بروحه المتشكلة بتشكل الأشباح من غير انتقال بانتقال ذاته الشريفة ومجيئها من البرزخ إلى مكان هذا الرائي لكرامتها وتنزيهها عن كلفة المجىء والرواح هذا هو الحق الصراح « 1 » وكان رضي اللّه عنه يقول إنما جعل قتل الكلب المعلم للصيد ذكاه لائتماره بأمر سيده وانتهائه بزجره فهو كالمدية بيد مولاه ولو كان مع نفسه وهواه لحرم أكل صيده واللّه اعلم . هذا ما رأيته في الرسالة المنسوبة إليه بين أصحابه وكان رضي اللّه عنه يقول إذا أراد أن يسلب عبد عند الموت سلطه على ولي يؤذيه ، وكان رضي اللّه عنه ينفق نفقة الملوك من كيس صغير في عمامته ويوفي منه الديون عن أصحابه عن المحتاجين كان رحمة بين العباد . مات رضي اللّه عنهم سنة نيف وتسعمائة ودفن بالقرافة رضي اللّه عنه . 2 - ومنهم الشيخ سيدي محمد عنان رضي اللّه تعالى عنه : كان رضي اللّه عنه من الزهاد العباد وما كنت أمثلة وأحواله إلا بطاوس اليماني أو سفيان الثوري وما رأيت في عصرنا مثله وكان مشايخ العصر إذا حضروا عنده صاروا كالأطفال في حجر مربيهم وكان على قدم في العبادة والصيام وقيام الليل من حين البلوغ وكان يضرب به المثل في قيام الليل وفي العفة والصيانة ، ولما بلغ خبره إلى سيدي الشيخ كمال الدين إمام الكاملية سافر إلى بلاد الشرقية بقصد رؤيته فقط فلما اجتمع به أعجبه عجبا شديدا فأخذ عليه العهد وسافر به إلى سيدي أبي العباس الغمري بالمحلة فآخى بينه وبينه . وكان رضي اللّه عنه له كرامات عظيمة : منها أنه أطعم نحو خمسمائة نفس من ستة أقداح دقيق حتى شبعوا ، وذلك أن فقراء بلاده اجتمعوا هذا العدد وطلعوا بلده على غفلة وكان قد عجن طحينة على العادة أول ما خط عارضه فقال لوالدته خذي هذه الفوطة وغطى هذه القصعة وقرصى فقطعت منها الخبز حتى ملأت البيت وحجيرة البيت ونصف الدار فقال لها اكشفي القصعة يكفي فكشفتها فلم تجد فيها شيئا من العجين فقال وعزة ربي لو شئت لملأت البلد كلها خبزا من هذا العجين بعون اللّه تعالى
--> ( 1 ) هذا كلام لطيف وتخريج طبيب وتفسير جميل لقول من يقول برؤية .